Home » About » كلمة الأب الرئيس

كلمة الأب الرئيس

البابا فرنسيس وسنة الرحمة

 

     الأب سابا سعد

  رئيس الكلّيّة الشرقيّة

 

        من هذا الرجل صاحب الثوب الأبيض الذي يتنقّل ببطء متوقّفًا ليصافح الناس البسطاء؟ من هذا الذي يستقبل المرضى قبل الرؤساء، وتتناقل قنوات الإعلام أخباره وأقواله كلّ يوم، ويغزو، دون استئذان، وسائل التواصل الاجتماعيّ   خاطفًا الأبصار ومنعشًا القلوب؟!

        لقد أعلن قداسة البابا فرنسيس الثالث سنة 2016 سنة الرحمة، داعيًا العالم أجمع إلى التأمّل بهذه الفضيلة وعيشها.

        ولكن لماذا هذا الاهتمام كلّه بموضوع الرحمة؟! وما هي الرحمة؟!      

        لستَ بحاجة إلى جهد فكريّ، عند قراءتك للإنجيل، لتدرك أنّه دعوة للمحبّة، فتصرّفات المسيح وتعاليمه كلّها تصبّ لصالح المحبّة لله وللإنسان، فأعظم الوصايا والقضايا هي أن تحبّ الربّ إلهك وتحبّ القريب حبّك لنفسك.

        على أنّ لا قيمة للمحبّة التي لا تُترجم واقعًا يحتضن الفقير والمهمّش والمريض والمحتاج والخاطئ.

        من هنا تصبح الرحمة تجسيدًا للمحبّة، والمسيح في الإنجيل لم يعش إلاّ الرحمة، مساويًا نفسه بالخطأة والمحتاجين والفقراء، ومؤكّدًا أنّ دينونة الإنسان لن تقوم على كمّيّة الصلاة والصوم وإنجاز الواجبات الدينيّة، بل تقوم على أساس أعمال الرحمة: "كلّ ما فعلتم ذلك بأحد أخوتي هؤلاء الصغار فبي فعلتموه" (متّى 25 – 40)

        ولنتنبّه إلى أنّ الفرّيسيّين وعلماء الناموس والكتبة والكهنة في العهد القديم لم تكن تنقصهم المعرفة الدينيّة بالشرائع والناموس، وعلى الرغم من ذلك فقد أطلق السيّد المسيح عليهم عبارات قاسية وصفات سلبيّة منها:

        "أولاد الأفاعي"، "قبور مكلّسة"، "الويل لكم أيّها الكتبة والفرّيسيّون المراؤون ..."

(لوقا 18: 11 – 12)

        ونلاحظ أيضًا الفرّيسيّ الذي دخل المحفل مصلّيًا وقائلاً: "إنّي أصوم في الأسبوع مرّتين، وأؤدّي العشر عن كلّ ما هو لي" أي أنّه متمّم لواجباته الدينيّة، نلاحظ أنّه يعود إلى بيته غير مبرّر، أي أنّ صلاته لم تُقبل (لوقا 18 – 14)

        ويبقى أنّ مشهد لقاء يسوع بالشابّ الغنيّ مثلاً معبّرٌ عن أولويّة العمل المبنيّ على العطاء على حساب العمل بالوصايا (متى 19: 16 – 25)

        لم يكتفِ السيّد المسيح بأن عاش الرحمة، وكان ينبوعًا لها في كلّ تفاصيل تعليمه وحياته، بل دعانا دعوة ملزمة لكي نعيشها نحن بدورنا أينما وجدنا بقوله: "كونوا رحماء كما أنّ أباكم السماويّ رحيم".

        "أفما كان ينبغي لك أن ترحم رفيقك كما رحمتك أنا" (متى 18: 23)

¯ ¯ ¯

        إنّ الذي لا يعيش الرحمة التي هي العطاء بشتّى الطرق، تتسلّل إلى قلبه محبّة المال والتعلّق به، والذي هو أصل كلّ الشرور حسب الكتاب المقدّس، ثمّ يتدرّج في اللامبالاة بالآخرين ليصل إلى رذيلة البخل ويدخل من ثمّ في دائرة الفساد.

        من هنا الدعوة التربويّة تحثّنا عمليًّا على أن نتعوّد أن نصنع رحمة كلّ يوم بحياتنا، على أن لا نحسب اليوم الذي ينقضي دون عمل رحمة، بحسب ما قال قداسة البابا الراحل شنودة الثالث، على أثر مشاهدته فقيرًا يبحث في النفايات عن طعام، حتّى إذا عثر على قسم برتقالة تناوله بفرح، إذّاك قرّر هذا الشابّ المهندس الذي أصبح لاحقًا بابا الأقباط أن يرمي برتقالة في النفايات في اليوم الثاني لهذا المشهد، وفيما بعد أصبح يدعو العالم إلى ثقافة الرحمة داعيًا المزارعين أحيانًا إلى ترك بعض المحاصيل لتقتات منها الطيور كما الفقراء. "من يزرع بالشحّ فبالشحّ يحصد ومن يزرع بالبركات فبالبركات يحصد".

        يبقى أنّ أعمال الرحمة تتعدّد وتتنوّع ولا تقوم فقط على العطاء من الجيب بقدر ما تكون عطيّة صادرة من القلب مثل الصلاة والحبّ، والإصغاء، ونظرة الشفقة وموقف المسامحة وقبول المرضى والمتألّمين وعدم الإساءة لسمعة الآخر...

        العالم اليوم بحاجة إلى هذه الرحمة الإنجيليّة التي إذا ما تمّ عيشها تختصر كلّ مواضيع وأهداف التربية التي نسعى لعيشها والتبشير بها.